وكما تزيد فرص تعرف الأطباء في القدس على أعراض المتلازمة التي تحمل اسم
المدينة لأنهم يرون الكثير من المصابين بها؛ يرصد نظراؤهم في مدينة
فلورنسا الإيطالية أعراضا مماثلة ولكن في سياق ظروف مختلفة. إذ يبدو أن
روعة الفن والعمارة في المدينة تستحوذ على زوارها بقدر يصيبهم أحيانا
بالذهان. ففي إحدى المرات، أدت زيارة فنان يبلغ من العمر 72 عاما إلى جسر
بونتي فيكيو في المدينة إلى نشوء اعتقاد في ذهنه - في غضون دقائق قليلة من وصوله للمكان - مفاده بأنه يخضع للمراقبة من جانب شركات طيران دولية، وأن
أجهزة تنصت زرعت في غرفته في الفندق.
حالةٌ أخرى تمثلت في سيدة في
الأربعينيات من عمرها، ساورها اعتقاد بأن شخصيات مرسومة في لوحة جصية بإحدى
كنائس فلورنسا تشير إليها. ونُقِلَ عن هذه السيدة القول: "بدوا لي أنهم
يكتبون عني في الصحف، ويتحدثون عني كذلك في الإذاعة، ويلاحقونني في
الشوارع".
وقد وصفت الطبيبة النفسية غراتزيللا ماغيريني - وهي من فلورنسا - الحالة المرضية التي أصيب بها أكثر من 100 سائح ترددوا على أحد مستشفيات المدينة بين عامي 1977 و1986. وشعر هؤلاء بخفقان في القلب وتعرق
وآلام في الصدر ونوبات دوار، وحتى حالات هلوسة، فضلا عن إحساس بالتشوش
والعزلة وفقدان الهوية.
وقد حاول البعض من أولئك السائحين تخريب
أعمال فنية في فلورنسا. وتشير ماغيريني إلى أن ما حدث لهؤلاء الأشخاص ناتج
عن أن لديهم شخصية ذات طبيعة حساسة، تتأثر بالضغوط الناجمة عن "السفر ورؤية مدينة مثل فلورنسا تطاردها أشباح الموت والعظمة". وتقول الطبيبة النفسية
إن كل ذلك ربما يكون أكثر من اللازم بالنسبة لسائح ذي شخصية حساسة.
وقد
أطلقت ماغيريني على تلك الحالة اسم "متلازمة ستاندال" نسبة لكاتب فرنسي،
كان قد قال عقب خروجه من كنيسة "سانتا كروز" في فلورنسا خلال زيارته لها
عام 1817، إنه "غُمِرَ بالمشاعر في غمار تأمله للجمال المهيب السامي"،
وبوغِتَ بـ "نوبة ضارية من نوبات خفقان القلب". وأضاف حينذاك: "جف معين الحياة الذي لا ينضب بداخلي، ودخلت المكان وأنا أشعر بخوف مستمر من السقوط
أرضا".
ورغم أن عدد المصابين بهذه المتلازمة لم يعد يتجاوز اثنين أو ثلاثة
سنويا في الوقت الحاضر، فإن صالة "أوفيتيزي" للأعمال الفنية في فلورنسا لا
تزال تشهد نصيبها من الوقائع التي يُصاب فيها الزوار بحالات مرضية طارئة. ففي الآونة الأخيرة، أصيب رجل بنوبة مرضية، وهو يُحدّق في لوحة تحمل اسم "بريمافيرا" للرسام ساندرو بوتيتشيلي، كما أُغشي على آخر بفعل رؤيته للوحة
"ميدوسا" للرسام كارافاجيو.
وفي تصريحاتٍ للصحافة المحلية بُعيد إصابة زائر ثالث بأزمة قلبية أمام لوحة "مولد فينوس" لـ "بوتيتشلي" كذلك،
قال مدير صالة العرض إنه على الرغم من كونه لا يقترح تشخيصا ما لهذه
الحالات فإنه يرى أن "مواجهة متحف مثل متحفنا، يغص على أخره بأروع التحف
الفنية، تشكل بالقطع مصدرا محتملا للضغوط العاطفية والنفسية وحتى الجسدية"
التي يتعرض لها الزوار.
وعلى النقيض من ذلك، تخيب مدنٌ في بعض
الأحيان توقعات زوارها، وهو ما ينطبق على باريس التي توجد متلازمة تحمل
اسمها تصف اضطرابات نفسية يصاب بها سائحون يابانيون؛ يرون أن العاصمة الفرنسية لا ترقى إلى مستوى توقعاتهم.
ويزيد عدد المصابين بهذه
المتلازمة على 63 شخصا، سُحِقَت مشاعرهم على ما يبدو بعدما رأوا أن باريس
ليست مدينة أحلامهم. إذ تملكت هؤلاء مشاعر الحزن والتوتر بفعل رؤيتهم لوجوه الباريسيين الصارمة، وبسبب ما اعتبروه قلة الرغبة في مد يد العون لهم من
جانب أصحاب المحال في المدينة، بالرغم من أن "الزبون يُعامل كملك في المحال
اليابانية"، كما يقول ممثل رابطة تساعد الأسر اليابانية على الإقامة
والاستقرار في فرنسا.
لكن هل تقتصر هذه المتلازمات بالفعل على مدنٍ مثل القدس وفلورنسا وباريس؟ وهل يستحق الأمر إصدار تحذيرات لزوار تلك المدن لتنبيههم إلى وجود
خطر يتهددهم هناك؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، لعل من الواجب
الإشارة إلى أن المشكلات الخاصة بالصحة الذهنية تمثل أحد الأسباب الرئيسية
للمتاعب الصحية التي يعاني منها المسافرون. وتفيد منظمة الصحة العالمية بأن حدوث حالة طوارئ بسبب المعاناة من مشكلة نفسية يشكل أحد أكثر الأسباب
الطبية شيوعا لنقل شخص ما جوا بشكل عاجل من بلد لآخر.
كما أن
الأرقام تشير إلى أن الإصابة بحالات ذهان حادة تشكل - على وجه التحديد - ما يصل إلى 20 في المئة من مشكلات الصحة العقلية التي يُصاب بها المسافرون،
وليس كل هؤلاء من زوار مدينة مثل القدس بطبيعة الحال.
على أي حال،
هناك الكثير من العوامل التي تجعل المسافرين المنهكين يشعرون بالضيق إلى حد يسلبهم القدرة على التعامل مع المواقف التي يمرون بها خلال رحلاتهم. إذ
تسهم أسبابٌ مثل الإصابة بالجفاف أو الأرق أو اضطراب الرحلات الجوية
الطويلة في المعاناة من الذهان، وذلك جنبا إلى جنب مع تعاطي الحبوب المنومة
أو معاقرة الكحول خلال الرحلة، بالإضافة في بعض الحالات إلى تناول أدوية
مثل أحد مضادات الملاريا.
ويتسبب خوف المرء من الطيران في حدوث ما بين 2.5 في المئة إلى 6.5 في المئة من هذه المشكلات، بينما ينجم ما يصل إلى
60 في المئة منها عن الشعور بالقلق الحاد. وبوسعك أن تضيف هنا أسبابا من
قبيل، التوتر الناجم عن إجراءات التفتيش في المطارات، والوقوف في صفوفٍ
طويلة أمام المتاحف، والمعاناة من اختلاف اللغة وكذلك التباينات الثقافية،
بجانب الترقب الشديد للقيام برحلة ذات طابع ديني أو ثقافي طال انتظارها.
ومن شأن تضافر كل هذه العوامل أن يمهد الطريق لأن تجتاح المرء اضطرابات ذهنية كتلك التي تحدثنا عنها في السابق.
No comments:
Post a Comment